رسالة مفتوحة لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: على الدول الأعضاء معالجة الأسباب الجذرية للقضية الفلسطينية وحماية المدنيين والمدنيات من هجمات إسرائيلية انتقامية

8 أكتوبر 2023

https://www.mezan.org/public/assets/uploads/media-uploader

(ترجمة لمادة نشرت بتاريخ: 8 أكتوبر 2023)

تطالب مؤسسة الحق ومركز الميزان لحقوق الإنسان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمعالجة الأسباب الجذرية للقضية الفلسطينية وحماية المدنيين/ات من العدوان الإسرائيلي. بينما تجتمع الدول الأعضاء لمجلس الأمن لمناقشة الأحداث والتطورات على جانبي الخط الأخضر في فلسطين، والتي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، على الدول الأعضاء أن تأخذ بالحسبان الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري الممارسين بحق الشعب الفلسطيني منذ 75 عاماً، والإحتلال الإسرائيلي منذ 56 عاماً، والحصار والإغلاق غير القانوني المفروض على قطاع غزة  والمستمر منذ 16 عاما، كأسباب جذرية للقضية الفلسطينية. تتحمل الدول الأعضاء المسؤولية الأساسية عن العنف الممارس في فلسطين نتيجة تقاعسهم عن الوفاء بالتزاماتهم القانونية وتواطؤهم في الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة وواسعة النطاق، بحيث عليهم حماية الشعب الفلسطيني من أعمال إسرائيل الانتقامية.

في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، شنت الفصائل الفلسطينية عددا من العمليات العسكرية، بينما تواصل إسرائيل حربها على قطاع غزة منذ احتلالها غير القانوني عام 1967، وإعلانها  لقطاع غزة منطقة معادية وفرضها إغلاقًا وحصارًا جويًا وبرياً وبحريًا لما يزيد عن 16 عامًا، وبالتالي فرضت عقوبات جماعية بحق الفلسطينيين/ات في قطاع غزة بمخالفة صارخة للقانون الدولي، وشنت إسرائيل سبع هجمات عسكرية شرسة وواسعة النطاق ضد قطاع غزة منذ عام 2008، الأمر الذي جعل  قطاع غزة غير صالح للسكن. وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، قُتل في الفترة الواقعة بين عام 2010 وعام 2019 3,624 فلسطينيًا و203 إسرائيليًا، وأصيب 103,207 فلسطينيًا و4,642 إسرائيليًا. 

بينما سارعت الدول الأطراف الثالثة إلى استنكار الأعمال العسكرية للفصائل الفلسطينية، وجب  تذكير الدول الأعضاء لمجلس الأمن بالفرص العديدة التي كان بالإمكان استخدامها لمنع التصعيد. لعقود طويلة، ومنذ بداية الاحتلال غير القانوني وإسرائيل تتهرب من مسؤولياتها كقوة قائمة بالاحتلال، وعملت على تعميق وترسيخ استعمارها الاستيطاني القائم على نظام الفصل العنصري، وحرمت الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه  في تقرير مصيره والعودة، وارتكبت انتهاكات واسعة النطاق وممنهجة بحق الشعب الفلسطيني وارتقت بأفعالها لجرائم دولية

يعتبر العام 2022 والعام 2023 من الأعوام الأكثر دموية في الأرض الفلسطينية منذ الانتفاضة الثانية. بين شهري كانون الثاني/يناير 2022 و30 أيلول/سبتمبر 2023، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون 426 فلسطينيًا، من بينهم 89 طفلاً، من الأرض الفلسطينية المحتلة.[1]

 


حتى تاريخ 19 أيلول/سبتمبر 2023، يقبع  5,200 فلسطينيًا قيد الاعتقال التعسفي، من بينهم 170 طفلاً، ويقبع حاليًا 1,264 فلسطينيًا قيد الاعتقال التعسفي الإداري دون تهم. وفي الفترة ما بين بداية عام 2022 و30 حزيران/يونيو 2023، سجل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (الأوتشا) 1,449 اعتداءً نفذها مستوطنون، بينما هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 436 منزلاً فلسطينياً، مما أدى إلى تهجير 1,660 فلسطينياً قسريًا، نصفهم من الأطفال.

وقد دعت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري بشأن الآثار القانونية الناشئة عن بناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة (2004)، الدول الأطراف الثالثة إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية، بما في ذلك عدم الاعتراف بأفعال إسرائيل غير القانونية، والالتزام بعدم المساهمة في الأفعال غير المشروعة دوليًا، والالتزام بالتعاون لوضع حد لهذه الأفعال غير القانونية. بعد مرور عقدين من الزمن، بات جدار الفصل العنصري أمرًا واقعًا، بل وتمت توسعته للاستيلاء على المزيد من الأرض الفلسطينية، مما يخلق حقائق على الأرض باتت أمرا واقعيا. وفي الوقت نفسه، تغاضت الدول الثالثة إلى حد كبير عن التزاماتها بوضع حد لأي عواقب ناتجة عن بناء الجدار، فضلا عن الانتهاكات الأخرى، التي حرمت الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره. 

إن فشل الدول الثالثة في تأييد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، فضلاً عن قرارات الأمم المتحدة العديدة، قد ساهم في بناء إسرائيل غير المقيد للمستوطنات غير القانونية وساعد في انتشارها، وعمل على ترسيخ نظام الفصل العنصري وسياسة الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية بحق الشعب الفلسطيني. لعقود من الزمن، دعا الفلسطينيون/ات المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات جدية وملموسة تتجاوز بيانات الإدانة، لوضع حد لهذه الانتهاكات، بما في ذلك فرض العقوبات وحظر بيع الأسلحة واتخاذ التدابير المضادة ضد إسرائيل. إن افتقار المجتمع الدولي للإرادة السياسية لمحاسبة إسرائيل شجعها على الاستمرار بارتكاب مزيداً من الجرائم الدولية بحق الشعب الفلسطيني بأكمله. 

تبقى "قضية فلسطين" مسؤولية الأمم المتحدة الدائمة. وكما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة سابقاً، فإن "الأمم المتحدة تتحمل مسؤولية دائمة تجاه القضية الفلسطينة إلى أن يتم حلها بجميع جوانبها بطريقة مرضية وفقاً للشرعية الدولية". ومن الجدير بالذكر أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بموجب القرار 181 إلى دولتين"عربية" و"يهودية" تجاهل تمامًا حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. عندما تقدمت إسرائيل بطلب الحصول على عضوية الأمم المتحدة عام 1949، وعدت باحترام جميع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة،  ولكنها فشلت في تنفيذ جميع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما في ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الصادر في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، والذي يطالب إسرائيل بالوفاء بحق العودة للاجئين/ات الفلسطينيين/ات والمهجرين/ات والذين يسكنون في المنفى. كما خرقت اسرائيل بوعدها بتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980 الذي يحظر عليها تغيير طابع ووضع مدينة القدس، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 لعام 2016 الذي يطالبها بالوقف الفوري والكامل لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.

تذكر المؤسسات الثلاث الدول الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بواجبها في حماية مليوني فلسطيني/ة في قطاع غزة من الهجمات الإسرائيلية الانتقامية. حتى الآن، قامت إسرائيل بشن غارات جوية أسفرت عن استشهاد مئات الفلسطينيين/ات وإصابة آلاف آخرين، وقصفت المباني السكنية، وقطعت الكهرباء، وطلبت من سكان غزة مغادرة القطاع المحاصر، وهو ما يصعب تنفيذه فعلياً، وقد يشكل تهديداً بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين/ات. نكرر مرة أخرى مطالبتنا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإحالة الأعمال الإسرائيلية العدوانية المستمرة، بما في ذلك احتلالها غير القانوني لقطاع غزة، للتحقيق أمام المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

دفعت ستة عشر عامًا متواصلة من الإغلاق والحصار الإسرائيلي والهجمات العسكرية المتكررة قطاع غزة إلى حافة الانهيار وخلقت أوضاعاً اجتماعية واقتصادية كارثية. ونظرًا لهشاشة البنية التحتية في قطاع غزة، التي لا تسمح لها بالتعامل مع فترات طويلة من العدوان، ستكون لردود أفعال نتنياهو عواقب وخيمة على الاستجابة الطبية في قطاع غزة، وقد ينجم عن ذلك انتهاكات خطيرة ومعاناة كبيرة للسكان المدنيين/ات. الفلسطينيون/ات في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، والفلسطينيين/ات من حملة الجنسية الإسرائيلية هم أيضا عرضة لأعمال عنف انتقامية من قبل الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين، والاعتقالات الجماعية العقابية.

نظرًا للاحتلال الإسرائيلي غير القانوني المستمر على مدى عقود طويلة ونظام الفصل العنصري، يحق  للشعب الفلسطيني بصفته شعباً مستعمراً أن يمارس حقه المعترف به في تقرير المصير والاستقلال من  الهيمنة الاستعمارية والأجنبية، كما تم التأكيد على ذلك في قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وخاصة قرار رقم 1514 لعام 1960 وقرار رقم 3246 لعام 1974.

بناءًا على ذلك، تطالب مؤسسة الحق، ومركز الميزان لحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان الدول الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إتخاذ الإجراءات التالية:

1.    الاعتراف بوجود احتلال إسرائيلي غير قانوني واستعمار استيطاني، ونظام فصل عنصري في الأرض الفلسطينية المحتلة واستنكارها باعتبار أنها الأسباب الجذرية لاستمرار العنف في الأرض.

2.    المطالبة بانسحاب إسرائيل الفوري، وغير المشروط والكامل من الأرض الفلسطينية المحتلة، وفقًا لقرارات الأمم المتحدة منذ عام 1967.

3.    الدعوة إلى تفكيك الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري المفروض على الشعب الفلسطيني.

4.    اتخاذ خطوات فعّالة لضمان حماية الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، الذي يتعرض لهجمات إسرائيلية انتقامية.

5.    فرض عقوبات على الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، ونظام الفصل العنصري، وأفعال العدوان من خلال فرض حظر على توريد الأسلحة، وعقوبات اقتصادية، واتخاذ التدابير اللازمة ضد إسرائيل لوقف جرائمها.

 

 

[1]   بحسب توثيق مؤسسة الحق