التعذيب: فساد الأخلاق وانتهاك القانون..عصام يونس

18 فبراير 2016

يولد الانسان حرا ولديه كرامة متأصلة، وجب حمايتها وتعزيزها، دون نظر للون أو جنس أو أي من خلفيات أخرى. وقد خلق الله الأنسان حرا كريما وجعل لجسده حرمة خاصة، وحظر التعدي عليها لأن في ذلك تعد على ما صنع الخالق، جل وعلا، وما وهب. وتأكيدا على إن الكرامة متأصلة في الانسان، فإنه لمن رسالة الانسانية وقواعدها الأساسية ومن الامانة المودعة لدى البشر حماية وتعزيز تلك الكرامة.

فالانسان الذي لايمتلك حق وضع حد لحياته أو الحط بجسده أو ايذائه، تشويها أوتمثيلا، فإنه لايمتلك حق فعل ذلك في الآخر أو الحاق الأذى أو الألم به. إن التعذيب، الذي قد يمارسه البعض بحق البعض، هو امتهان للجسد والحاق الأذى به وحط بالكرامة الانسانية، وسقوط أخلاقي، لايمكن تبريره، لأنه تعد سافر على ما هو أصل وطبيعة، فالذات متأصلة الكرامة ولا يمتلك أحد حق التعدي عليها وامتهانها. إن العلاقات الانسانية السوية لاتقوم الا بين أفراد احرار وأكفاء، وأساسها وشرطها هو التكافؤ بين طرفيها أو أطرافها. فالتكافؤ هو علة العلاقة وسببها الضروري وموجبها، وهو أساس الشرعية الذي تستحوذه تلك العلاقة. وفي غياب شرط التكافؤ، تصبح أي علاقة ناشئة هي علاقة إكراه وتعسف واستبداد ونفي للإرادة الحرة للذات المستقلة والمتأصلة الكرامة. ومثال ذلك شرط "القبول" في الزواج، والذي بدونه لايمكن لعلاقة الزواج أن تنشأ أو تحظى بأي مشروعية أخلاقية، وأصل ذلك مستمد من الإرادة الحرة للأفراد الأنداد المتكافئين الساعين لـتأسيس علاقة طوعية لا إكراه فيها، فمن يقبل او يرفض هو الحر الكفؤ، ومن يٌكره على فعل شيء، هو بالضرورة مقيد الحرية ومسلوب الارادة.

إن أصل تجريم التعذيب من الناحية الأخلاقية قائم على عدم جواز حرمان شخص ما، من وسائل الدفاع المشروعة، وأكراهه قسرا على الدخول في علاقة انسانية مع آخر أو آخرين، يستحوذون وسائل القوة، فصفة التكافؤ والندية هنا تنتفي تماما، وبها تفتقد العلاقة أسس مشروعيتها الأخلاقية، فناتج علاقة غير شرعية هو بالضرورة غير شرعي. وللتدليل على ذلك، من المفيد التذكير بأنه في زمن الحرب، في الوقت الذي يسمح فيه للجندي بقتل عدوه طالما كان كلا منهما يستحوذ على وسائل القوة ووسائل الدفاع المشروعة، فإنه من المحظور وبشكل مطلق ان يقتله في حالة استسلامه والقاء لسلاحه، طوعا أو كرها، أي بتخليه عن وسائل الدفاع المشروعة. وعلة ذلك أن الجندي-العدو في هذه الحالة (باستسلامه او بوقوعه في قبضة خصمه) قد فقد صفته كجندي واكتسب صفة الجندي السابق وهو ما يؤهله فورا للحماية لا القتل، لأن التكافؤ في العلاقة قد انتفى وأساس العلاقة قد اختلف. إن ذلك هو أيضا ما يفسر، من الناحية الأخلاقية، حظر استهداف المدنيين وممتلكاتهم، والجرحي من الجنود وأسرى الحروب وغيرهم من ضحايا النزاعات المسلحة.

إن التأسيس الأخلاقي لرفض التعذيب شكل أساس التجريم في القانون المحلي أو الدولي، فالقانون الدولي، العرفي منه أو التعاقدي، الانساني او حقوق الانسان، يعتبره جريمة مطلقة التحريم، ولايعتد مطلقا بأي أسباب أو ظروف مهما كانت استثنائيتها، لتبرير ارتكابها،بل إن القانون يعتبر جريمة التعذيب جزءا من القواعد الآمرة في القانون الدولي وهي القواعد التي تتمتع بأقصى درجات الالتزام لأنها تتعلق بأمن المجتمع الدولي ككل أو الإنسانية بكاملها ومن بينها جريمة العبودبة والاتجار بالرقيق، وأي اتفاقية يجري توقيعها بين طرفين، اذا ما تضمنت أحكامها دعوة لها أو تحريض عليها او قبول بممارستها تعتبر لاغية ولا قيمة لها وكأنها لم تكن. إن دريمة التعذيب هي نوع من الجرائم بالغة الخطورة، والتي ترتقي إلى مستوى الجريمة ضد الانسانية التي تستوجب ملاحقة من يقترفها أو يأمر باقترافها أو حتى من يتغاضى عن ذلك.

وتوضيحا للتأصيل الأخلاقي للرفض المطلق للتعذيب وجب مقاربته مع الحق في الحياة، الذي يبدو أنه ليس مطلقا وذلك لحقيقة انه يمكن وضع حد لحياة انسان مثلا، بعقوبة الاعدام، أو بالسماح للأعداء في الحرب ممن يستحوذون على وسائل القوة والدفاع المشروعة في قتل كل منهما للأخر. إن ما ينطبق على استثناءات متعلقة بالحق في الحياة لا يمكن له أن ينطبق على التعذيب الذي تعتبر ممارسته محظورة وبشكل مطلق، ولا يمكن لمرتكبها التذرع بأي ظروف مهما بدت اسثنائية لتبرير ممارسته، بإدعاء تنفيذه لاوامر صادرة ممن هم أعلى رتبة أو منزلة أوشأنا، او تبريرها بظروف تهددت معها حياة الأمة او لدرء خطر داهم يهدد أركان النظام السياسي، أو بالتذرع بممارسته تحقيقا للمنفعة العامة، مهما وكيفما جرى توصيف تلك المنفعة. إن فعل الأخلاق الصائب لايمكن له أن يؤسس على فعل السقوط الإخلاقي. إن ممارسة التعذيب هي ارتكاب جرم، وخيار ضعف، وتمظهر مرض، وقبل ذلك وبعده فساد أخلاق، ومن يعطي لنفسه الحق لممارسته استثناء، سوف يمارسه حتما قاعدة.