مركز الميزان لحقوق الإنسان
شريط الأحداث

تقارير و دراسات

ورقة موقف: عقوبة الإعدام في ميزان القانون الدولي

18-01-2021

شهدت العقوبة بوصفها أداة الدولة في مكافحة الجريمة تطوراً على مستوى المفهوم والغايات، خاصة مع ظهور الاتجاه المعتدل في مذهب الدفاع الاجتماعي بريادة الفقيه الفرنسي مارك آنسل، الذي دعا إلى تحديث الأنظمة العقابية المُتعلقة بمكافحة الجريمة. وتبلور في أحضان هذا المذهب فكرة انتقال العقوبة من دائرة الانتقام من الجاني إلى دائرة إصلاحه وتأهيله وإعادته إلى ركب الحياة الاجتماعية، لكي يغدو شخصاُ نافعاً منتجاً بعد استئصال الخطورة الإجرامية الكامنة فيه، وتقويم سلوكه. ولقيت هذه الأفكار قبولاً على مستوى الفقه الجنائي، وأصبحت التشريعات العقابية تعتد بظروف الشخص الجاني ودوافعه قبل تقريرها لمقدار ونوع العقاب، وبذلك أُسبغت العقوبة بالطابع الاجتماعي النفعي، وتمأسس علمي الإجرام والعقاب على نظريات تدعو إلى وجوب اعتماد الدراسات العلمية سبيلاً لمعالجة الظاهرة الإجرامية.

               

وتأسيساً على تلك الأفكار، ومع ترسخ مفاهيم حقوق الإنسان وانتقالها للعالمية مطلع القرن العشرين، أُسدل الستار على حقبة المدارس العقابية التقليدية التي اتسمت نظرتها إلى الجريمة ومرتكبها بالاستبعاد والاستئصال المادي لا الإصلاحي. وفي الوقت نفسه بدأ الانفكاك من العقوبات القاسية والمهينة، من خلال الإعلانات والمواثيق الدولية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، بوصفها المُعبر الأساسي عن الإرادة الدولية واتجاهاتها. وبدأت التشريعات الجنائية تُولي إهتماماً بشكل العقوبة وأساليب تنفيذها داخل المؤسسات العقابية، بحيث تكون قادرة على إصلاح الجاني واستئصال الخطورة الإجرامية الكامنة فيه من جهة، ومن جهة أخرى وضع الخطط والسياسات الرامية إلى مكافحة الظاهرة الإجرامية قبل وقوعها من خلال القضاء على الأسباب والعوامل المُتصلة بها.

 

ومن هذا المنظور بدأت معظم التشريعات الوطنية، العمل على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبروتوكول الثاني الاختياري المحلق فيه، وعلى نحوٍ تدريجي باستبعاد عقوبة الإعدام، حيث اتجهت إلى تقليص الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام، ومن ثم استبعدت تلك العقوبة تماماً من الممارسة التشريعية والقضائية، على اعتبار أنها تؤدي إلى انتهاك حق الإنسان في الحياة وإهدار الأغراض العقابية في الفقه الجنائي الحديث، فلا يُمكن تصور تطبيق الخطط العقابية الإصلاحية على الشخص الذي أنزل به القضاء عقوبة الإعدام وقرر استبعاده من حيز الوجود.

 

وفي سياق متصل يُثير أنصار عقوبة الإعدام العديد من الإشكالات التي يرونها تعتري بدائلها، كعدم قدرة العقوبات السالبة للحرية على مكافحة الجرائم الخطيرة، وعدم تناسب الحبس مع جسامة الفعل الإجرامي، والتقليل من جدواه في مواجهة الأشخاص الذين كشفوا عن خطورة إجرامية عالية، وغيرها من المبررات التي استندوا إليها في معرض دفاعهم عن عقوبة الإعدام.

 

تأتي أهمية الموضوع في كونه يتناول عقوبة خطيرة تؤدي إلى إهدار الحق في الحياة، بما يُشكله من قيمة اجتماعية تنطلق منها ممارسة الحقوق الأخرى، كما تكمن أهميته في التعرف على الدوافع الموضوعية الكامنة وراء ضرورة إلغاء العقوبة. وبالإضافة لكون إلغائها هو واجب أصيل يقع على عاتق دولة فلسطين، فإن وضع العقوبة في ميزان السياسة الجنائية الحديثة يظهر مدى قدرتها على تحقيق أغراض تنفيذ الجزاء الجنائي بمنظوره الحديث.

 

تتمثل إشكالية الموضوع في التساؤلات التالية: هل توجد أدلة علمية على قدرة عقوبة الإعدام على ردع الجرائم الخطيرة؟ أم أن الجرائم الخطيرة لا تزال قائمة بالرغم من تطبيق عقوبة الإعدام؟، وهل تؤدي عقوبة الإعدام إلى تنفيذ أغراض السياسة الجنائية الحديثة ذات الطابع الإصلاحي؟ أم أنها تُشكل إهداراً واستحالة لتنفيذ تلك الأغراض؟، وهل المشرع الفلسطيني اعتمد السياسة الجنائية الحديثة في خطته لمعالجة الجرائم الخطيرة، وفاءً بالتزامات دولة فلسطين التعاقدية أم أنه توسع في تبني عقوبة الإعدام؟

 

وعليه سوف تنقسم الورقة إلى أربع محاور يعرض الأول مبررات إلغاء عقوبة الإعدام من منظور القانون الجنائي، والثاني يتناول موجبات إلغاء عقوبة الإعدام من منظور التزامات دولة فلسطين الدولية، بينما يتناول الثالث خطة المشرع الفلسطيني بشأن عقوبة الإعدام، أما الرابع فيتناول واقع العمل بعقوبة الإعدام. وتعرض الخاتمة موقف مركز الميزان لحقوق الإنسان من تلك العقوبة. مع الإشارة إلى أن المركز يُقدم مقاربته لعقوبة الإعدام بإيجاز، ويستطيع الباحث أو المهتم أن يتوسع في جزئياتها من خلال العودة إلى المراجع ذات العلاقة.

 

هذا الموضوع يتحدث عن / #civil and political #excution #IHL

ملفات و روابط مرفقة :