31 يناير 2026
يدين مركز الميزان لحقوق الإنسان بأشد العبارات استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب جرائمها الممنهجة في سياق حرب الإبادة الجماعية المتواصلة للعام الثالث على التوالي، عبر الاستهداف المتعمد والمتكرر للنازحين في مراكز الإيواء والخيام والمنازل، وتجمعات المدنيين في الأسواق والطرق وأمام مراكز المساعدات. وأسفرت هذه الجرائم التي تصاعدت منذ فجر اليوم السبت الموافق 31/1/2026، وحتى الآن عن استشهاد 32 مواطناً، غالبيتهم من النساء والأطفال. في مشهد يعكس الإصرار على إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف المدنيين العزل واستمراراً في حرب الإبادة الجماعية، وانتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتقويضاً متعمداً لأي مساع للحماية أو التهدئة.
مركز الميزان لحقوق الإنسان يحمل المجتمع الدولي كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن صمته وتقاعسه، مطالباً بتدخل فوري وفاعل لحماية أرواح المدنيين، وضمان إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار، ووضع حد نهائي لجرائمها المستمرة بحق المدنيين الفلسطينيين.
وبحسب المعلومات الميدانية، فقد شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات مكثفة على مناطق مختلفة من قطاع غزة منذ فجر يوم السبت الموافق 31 يناير 2026، حيث استهدفت خلال ساعات الفجر الأولى خيمة تؤوي نازحين من عائلة أبو حدايد في مدينة خان يونس، ما أسفر عن استشهاد سبعة مواطنين، هم الأب وأربعة من أبنائه وثلاثة من أحفاده. وعند حوالي الساعة 6:05 من صباح اليوم نفسه، استهدفت شقة سكنية قرب مفترق العباس، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مواطنين، وأنذرت عند حوالي الساعة 10:00 من صباح اليوم نفسه لإخلاء مبنى إدارة مخيم غيث شرق مفترق كلية الرباط في مواصي خان يونس، أعقبه قصف مباشر للموقع، وورد إنذار إخلاء آخر عند الساعة 11:05 من صباح اليوم نفسه لمحكمة دير البلح وسط قطاع غزة.
وعند حوالي الساعة 11:20 من صاح اليوم نفسه، قصفت قوات الاحتلال مركز شرطة حي الشيخ رضوان دون سابق إنذار، ما أدى إلى استشهاد عدد من الموقوفين ومن عناصر الشرطة، من بينهم أربع شرطيات. وتسببت هذه الهجمات حتى اللحظة وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية عن استشهاد 32 مواطناً، وإصابة 24 آخرين، أغلبهم من الأطفال والنساء. وتواصلت التحذيرات الإسرائيلية المتتالية لاستهداف مواقع مدنية أخرى، من بينها برج الداعور غرب مدينة غزة، الذي جرى قصفه ومحيطه لاحقاً وأسفر عن سقوط عدد من الشهداء، في تصعيد خطير يعكس نهجاً ممنهجاً لتوسيع دائرة القتل والتدمير بحق المدنيين العزل.
أفادت المواطنة (ر.ح) من سكان شارع خمسة مواصي خان يونس، أصبحنا نسمع منذ فجر اليوم عدة غارات وانفجارات تحدث في محيط مخيمنا، ورأيت حركة نزوح كبيرة للمواطنين من الخيام هرباً من عمليات القثف خاصة بعد استهداف مخيم غيث للنازحين بالقرب منا، القصف في كل مكانولنا، ونحن خائفون جداً ونخشى أن يطالنا الاستهداف.
وفي السياق ذاته، تواصل قوات الاحتلال استهداف المدنيين العزل في مختلف مناطق قطاع غزة، وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد ارتفعت حصيلة الشهداء والجرحى منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار إلى 523 شهيداً و1405 مصاباً، وتستحوذ وتسيطر على مساحات إضافية من بعد الخط الأصفر الذي اقتطع ما يزيد عن 52% من مساحة قطاع غزة، وحولت مساحة ما بين 300 و500 متر، على طول الخط الأصفر باتجاه تجمعات المدنيين، إلى منطقة عازلة تستهدف فيها أي جسم يتحرك داخلها وتنفذ بعض عمليات التوغل في تلك المناطق.
وبذلك، لا تكتفي إسرائيل باقتطاع أكثر من نصف أراضي القطاع وفق الخط المعلن، بل إنها عملياً وعلى أرض الواقع تستولي على مساحة أكبر من ذلك بكثير. ولا تزال قوات الاحتلال مستمرة في تدمير البنية التحتية هناك، وتنفذ عمليات نسف لمربعات وأحياء سكنية بكاملها خلف الخط الأصفر الذي حددته، شرق خان يونس ودير البلح وشرق غزة، وتسمع صوت الانفجارات وأصوات الآليات بشكل مستمر في تلك المناطق.
وفي موازاة ذلك، لا تزال قوات الاحتلال تفرض قيوداً مشددة وتعرقل بشكل متعمد إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ولا سيما مستلزمات ووسائل الإيواء، في انتهاك جسيم لواجباتها كقوة احتلال، وبما يفاقم من معاناة السكان المدنيين، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية خلال فصل الشتاء. ويشكل هذا السلوك سياسة عقاب جماعي واضحة، تتعمد تعريض المدنيين، وخصوصاً الأطفال، لمخاطر تهدد حياتهم وكرامتهم الإنسانية، حيث أعلنت وزارة الصحة عن استشهاد 11 مواطناً، غالبيتهم من الأطفال، جراء البرد القارس منذ دخول فصل الشتاء.
وحتى الآن، تواصل قوات الاحتلال منع إدخال المعدات الثقيلة المطلوبة لرفع الأنقاض، وتمنع إدخال المواد والمعدات اللازمة لإصلاح آبار المياه وخطوطها، وشبكات الصرف الصحي، وإزالة آلاف الأطنان من النفايات المتراكمة حول المناطق السكنية ومخيمات النزوح المكتظة، ما يضع المدنيين أمام تهديد مباشر بانتشار الأوبئة والأمراض المعدية، ويشكل خطراً حقيقياً على حياتهم.
مركز الميزان لحقوق الإنسان يؤكد أن استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب هذه الجرائم، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وما يترافق معها من حصار خانق وسياسات تجويع ممنهجة وتهجير قسري متواصل، يشكل امتداداً واضحاً ومتعمداً لحرب الإبادة الجماعية على سكان قطاع غزة، ويشدد المركز على أن هذا التصعيد المتواصل لم يكن ليحدث لولا حالة الصمت والتقاعس الدولي، التي وفرت غطاءً فعلياً لقوات الاحتلال للاستمرار في جرائمها، ودفع الأوضاع الإنسانية نحو مزيد من الانهيار والتدهور. ويحذر مركز الميزان من أن استمرار هذا العجز الدولي ينذر بوقوع كارثة إنسانية أشد فتكاً، تهدد حياة أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة، ما لم يتم اتخاذ خطوات دولية حقيقية وفورية لحماية أرواح المدنيين الأبرياء ووقف جرائم الإبادة الجارية.
وبناءً عليه، يطالب المركز المجتمع الدولي، لا سيما الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف الرابعة، بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وإنهاء حالة التقاعس التي شجعت قوات الاحتلال على المضي في جرائمها، واتخاذ تدابير فاعلة وملزمة لوقف جميع أشكال الهجمات العسكرية ضد المدنيين وممتلكاتهم فوراً. كما يطالب المركز إلى فتح جميع المعابر بشكل فوري وكامل ودون أية قيود لحركة الأفراد والمساعدات، والسماح العاجل بإدخال المساعدات الإنسانية والوقود والمعدات الطبية ومواد الإغاثة، لا سيما مستلزمات الإيواء، وضمان وصولها الآمن وغير المقيد إلى جميع مناطق قطاع غزة دون استثناء، وتمكين الطواقم الهندسية والبلديات من الوصول إلى مختلف المناطق لإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، ورفع الأنقاض، وإزالة النفايات، بما يضمن الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة للسكان المدنيين.