مركز الميزان لحقوق الإنسان
شريط الأحداث

تقارير و دراسات

الأبعاد الاجتماعية للضريبة في قطاع غزة، يوليو 2011

25-07-2011 00:00

ملخص تنفيذي   تعتبر الضرائب واحدة من أدوات المالية العامة للدول، والتي تهدف بالإضافة إلى تمويل الموازنة العامة، إلى تحقيق أهداف وأغراض سياسية واجتماعية، بحيث يتم إعادة توزيع الدخول والثروات في المجتمع وتوجيه عملية التنمية لتخدم هذه الأهداف والأغراض.
وفي عالمنا اليوم، ومع تنامي الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان؛ أصبحت أولويات السياسة المالية العاملة للدولة معياراً مهماً يعكس مدى احترام تلك الدولة لالتزاماتها التعاهدية تجاه حقوق الإنسان.
لقد كانت السياسات المالية العامة التي اتبعتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأرضي الفلسطيني المحتلة عام 1967 تهدف إلى تمويل الاحتلال وتعزيز تبعية اقتصاد الأراضي المحتلة للاقتصاد الإسرائيلي، وتقييد وإعاقة عملية النمو الاقتصادي.
وكانت هذه السياسات بعيدة كل البعد عن الاستجابة للظروف الاقتصادية والاجتماعية لسكان الضفة والقطاع ومتطلبات عملية التنمية، كما أنها بعيدة كل البعد عن الالتزام بقواعد القانون الدولي التي تنظم علاقة دولة الاحتلال بالدولة أو الإقليم الخاضع للاحتلال.
تأخرت السلطة الوطنية الفلسطينية كثيرا حتى باشرت في سن قوانين وتشريعات ضريبية خاصة بها، وصدر أول قانون ضريبة دخل فلسطيني في نهاية عام 2004، أي بعد حوالي عشرة أعوام على تأسيس السلطة، حيث قامت بإقرار قانون ضريبة الدخل الفلسطيني رقم (17) لسنة 2004، والذي أصبح نافذا مع بداية عام 2005.
وحتى اليوم لم يصدر أي تشريع فلسطيني بخصوص الجمارك وضريبة القيمة المضافة وضريبة الإنتاج.
السلطة الوطنية الفلسطينية، منذ تأسيسها وحتى صدور هذا التقرير، تعاملت مع الضرائب كمصدر من مصادر تمويل الموازنة العامة، وتجاهلت إلى حد كبير دورها الحديث في إعادة توزيع الدخل وتوجيه عملية التنمية الاقتصادية حيث كانت معظم المشاريع ذات الطابع التنموي طوال سنوات إدارة السلطة للأراضي المحتلة مرتبطة بتوجهات الجهات المانحة الدولية وبدرجة غير مرضية في أحسن الأحوال من الشراكة على مستوى رسم السياسات مع السلطة الفلسطينية ووزاراتها ذات العلاقة.
وقد ساهم سوء الإدارة وما نتج عنها من تضخم غير مبرر في الجسم الوظيفي للسلطة في أن تكون (54%) فقط من الموازنة ممولة من مصادر التمويل الداخلية وما تبقى عبارة عن منح ومساعدات وقروض من الدول المانحة للسلطة، وذهبت معظم الأموال التي يدفعها الفلسطينيون القاطنون في الأراضي المحتلة التي تديرها السلطة الفلسطينية كضرائب ورسوم، نحو بنود إنفاق لها علاقة بتشغيل وإدارة الجهاز البيروقراطي للسلطة، هذا بالإضافة إلى القسم الذي يقضمه الفساد المالي والإداري المستشري في جسد السلطة ورأسها.
كما لم تساهم السياسات الضريبية للسلطة في توجيه الاستثمارات نحو قطاعات اقتصادية بعينها أو إقرار تسهيلات وإعفاءات ضريبية تشجيعية لقطاعات اقتصادية متضررة من إجراءات وسياسات الاحتلال، وهناك حاجة لدعمها وإسنادها لتعزيز صمود المواطن الفلسطيني على أرضه، ولدفع التنمية في الاتجاه الصحيح.
كان للانقسام الفلسطيني الداخلي الذي حصل في تموز (يوليو) 2007، تداعيات سلبية كبيرة على الفلسطينيين بشكل عام، وتجاوزت هذه التداعيات في قطاع غزة المستوى السياسي إلى المستويين الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في ظل الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع.
وفيما يخص الضرائب، يمكن تلخيص أبرز آثار الانقسام على السياسات الضريبية وهيكل الضرائب وتداعياتها على العبء الضريبي على المكلف الفلسطيني في النقاط التالية: 1-                 التضارب في القرارات والقوانين: ففي الوقت الذي استمرت فيه الحكومة في غزة بتطبيق قانون ضريبة الدخل رقم (17) لسنة 2004 وواظبت على جباية الضرائب ومن بينها ضريبة الدخل؛ أصدر الرئيس أبو مازن قرارا بقانون رقم (2) لسنة 2008م بشأن تعديل قانون ضريبة الدخل رقم (17) لسنة 2004م، والذي أعفى بمقتضاه المواطنين من سكان قطاع غزة من ضريبة الدخل (باستثناء الموظفين العموميين الذين تخصم ضرائبهم لصالح حكومة رام الله).
2-                 الازدواج الضريبي: ويظهر الازدواج الضريبي في حالتين: أ‌.
                       البضائع المستوردة من الخارج لقطاع غزة: نتيجة إيقاف حكومة الاحتلال للعمل بالكود الجمركي لقطاع غزة في موانئها، قام العديد من تجار غزة بفتح شركات جديدة في الضفة الغربية حتى يتمكنوا من الاستيراد بموجب الكود الجمركي للضفة الغربية، وبالتالي أصبحوا يدفعون ضريبة قيمة مضافة على المبيعات مرتين، الأولى عندما تقوم شركاتهم في الضفة ببيع البضاعة المستوردة لشركاتهم في غزة، والثانية عندما يبيعون البضاعة نفسها داخل قطاع غزة.
ب‌.
                    السيارات المستوردة: تجبي حكومة رام الله ضريبة على السيارات الحديثة التي تدخل الأرضي تحت ولاية السلطة، ومن ضمنها قطاع غزة، تعادل قيمتها (50%) من ثمن السيارة.
ومن جانبها، فرضت حكومة غزة ضريبة على السيارات بمقدار (25%) من قيمة السيارة.
وبالتالي بات المُكلف في غزة ملزم بدفع الضريبة ذاتها مرتين وإن بنسب مختلفة.
  3-                 السياسات الضريبية لحكومة غزة: يمكن تسجيل الملاحظات التالية على السياسات الضريبية لحكومة غزة:[1] أ‌.
            هناك مشاكل جدية تتعلق بالضرائب المفروضة على بضاعة الأنفاق ومن أبرزها: 1- استيفاء رسوم على الضائع القادمة عبر الأنفاق ومن ثم فرض ضرائب عليها الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعارها في الأسواق.
2- تفرض وزارة المالية ضريبة القيمة المضافة على البضاعة المُوَرّدة إلى القطاع عن طريق الأنفاق عبر تحديد هامش الربح لكل صنف من البضائع وفق نسب تقديرية وضعتها إدارة ضريبة القيمة المضافة في الوزارة، ويتم اقتطاع نسبة ضريبة القيمة المضافة (14,5%) من هامش الربح المقدر.
ويعاب على هذه الطريقة أنها تخل بمبدأ العدالة، حيث يختلف هامش الربح من تاجر إلى آخر بحسب عوامل عدة أهمها حجم النشاط وكمية البضاعة وطريقة الدفع (دفع نقدي أم دفع مؤجل).
.
الخ.
3- لا تعترف وزارة المالية بحق التجار بالإرجاعات النقدية لضريبة شراء الصفقات ذات المنشأ المصري.
وهذا يخالف ما تنص عليه الأصول والمبادئ المحاسبية المتعارف عليها دولياً، ويُخل بالمبادئ التي تقوم عليها ضريبة القيمة المضافة التي يفترض أن يتحمل عبئها المشتري النهائي للسلعة.
علما بأن الأوامر العسكرية ذات العلاقة والتي لازالت سارية المفعول في الأراضي المحتلة تنص على الإرجاع خلال مدة لا تتجاوز (180) يوماً من تاريخ تقديم الفواتير.
4- عدم وجود نيابة أو محاكم تنظر في القضايا المتعلقة بالأنفاق والبضائع المُوَرّدة إلى القطاع عن طريقها، ويتم النظر في هذه القضايا من خلال دائرة المعابر والحدود التي لا يوجد فيها تجهيزات أو مقومات محاسبية أو قانونية للقيام بهذا العمل.
ب‌.
         هناك إشكالية تتعلق بالخسائر التي تحملها أصحاب العديد من المنشآت الاقتصادية الفلسطينية جراء القصف الإسرائيلي، حيث لم تعترف وزارة المالية إلا بالخسائر التي أقرتها لجنة التعويضات، وهذه الأخيرة لم تقر خسائر المخزون وقطع الغيار والعدة، والتي في كثير من المنشآت تتجاوز قيمتها قيمة الأبنية والآلات.
وحتى الخسائر التي اعترفت بها الوزارة تقوم بالتفاوض مع أصحاب المنشآت لتقدير قيمة الضريبة المتوجبة عليها.
ت‌.
         تقوم وزارة المالية بفرض ضريبة إضافية على السيارات التي تدخل القطاع بخلاف الضريبة التي تستوفيها وزارة المالية في الضفة الغربية.
  ث‌.
         عدم إفصاح الحكومة في غزة عن حصيلة الجباية الضريبية.
  ملاحظات على الموازنة العامة لكل من الحكومتين في رام الله وغزة 1-       بلغت قيمة المقاصة في موازنة حكومة رام الله (67%)، بينما قدرت في موازنة حكومة غزة بحوالي (65%) كما ورد سابقا في التقرير.
ويمكن الاستنتاج من هذه النسب أن: أ‌-                  الضرائب غير المباشرة (بشكل أساسي ضريبة القيمة المضافة والضرائب الجمركية) تشكل معظم التمويل الداخلي للسلطة الوطنية الفلسطينية، آخذين بعين الاعتبار أن بند الجباية المحلية يشتمل أيضا على ضريبة القيمة المضافة التي تدفعها المصانع والورش الإنتاجية والخدمية من السلع والخدمات ذات المنشأ المحلي.
وهو أمر تشترك فيه السلطة الفلسطينية مع باقي الدول النامية، إلا أن نسبته في الحالة الفلسطينية أعلى من نظيراتها في الدول العربية المجاورة على سبيل المثال.
وهو ما يدل على ضعف البنية الإنتاجية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت ولاية السلطة، وكذلك على ضعف وسائل وأساليب تقدير وتحصيل الضرائب المباشرة كضريبة الدخل.
ب‌-               معظم التمويل الداخلي للسلطة الفلسطينية يمر عبر حكومة الاحتلال، وهو أمر يشكل بلا شك أداة ضغط سياسية بيد الاحتلال، لم تتوان إسرائيل عن استخدامها في مناسبات عدة، أبرزها بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة برئاسة السيد إسماعيل هنية، حيث امتنعت في حينه عن تحويل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية.
2-    تشكل المنح والمساعدات (49,8%) من قيمة الموارد المالية لتمويل الموازنة العامة للسلطة كما يظهر في الموازنة العامة لحكومة رام الله.
أي أنها تمثل أقل قليلا من نصف الأموال التي تدخل الخزينة العامة، وهذه النسبة على خطورتها لا تعكس حقيقة الأمر، فهي تتجاوز هذه النسبة بشكل واضح إذا أخذنا بعين الاعتبار أن جزءا كبيرا (إن لم يكن الأكبر) من قيمة ضريبة الدخل المجباة؛ هي من تلك المفروضة على رواتب الموظفين العموميين في السلطة، والذين تشكل المنح والمساعدات الجزء الأكبر من قيمة رواتبهم.
كما تدل هذه النسبة على مدى اعتماد السلطة على التمويل الخارجي للقيام بوظائفها، وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة وشكوك جدية حول قدرة السلطة على القيام بخطوات سياسية مستقلة تجاه تأسيس الدولة التي تعكس أمال وتطلعات الشعب الفلسطيني.
3-    ما قيل في البند السابق عن حكومة رام الله ينطبق كذلك على حكومة غزة، والتي تشكل المساعدات الخارجية ما يقل قليلا عن (90%)، هذا مع ملاحظة أن النسبة الحقيقية تزيد عن ذلك إذا أخذنا في الاعتبار موضوع ضريبة الدخل على رواتب الموظفين العموميين التي تم تناولها في البند السابق.
وهذا يوضح إلى أي مدى تعتمد الحكومة في غزة على التمويل الخارجي.
وإن كانت الظروف الخاصة المتعلقة بالحصار الإسرائيلي الاقتصادي والمالي الدولي المفروضة على قطاع غزة تشكل عذرا إلى حد ما إلا أن هذا لا يعفي الحكومة في غزة من السعي والعمل على تصحيح هذا الاختلال العميق في موازنتها.
4-    إن ما ورد في بيان وزير المالية السيد سلام فياض، حول مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2010، بأن الخزينة الفلسطينية لم تحصل على أي إيرادات تذكر من قطاع غزة؛ أمر غير دقيق، حيث أغفل البيان أموال المقاصة عن البضائع التي ترد إلى غزة والتي تحول من قبل سلطات الاحتلال إلى خزينة السلطة في رام الله.
كذلك الأمر بالنسبة لضرائب الدخل وضرائب القيمة المضافة على الصفقات التي يدفعها التجار والصناعيين في الضفة الغربية عن بضائعهم التي يوردونها إلى القطاع، وضريبة الدخل التي تُخصم من رواتب موظفي قطاع غزة وتدخل إلى خزينة السلطة.
يبدو أن السيد فياض حاول استدعاء صيغ المبالغة الأدبية واستخدامها في غير موضِعها في بيان مالي لا بد وأن يتوخى الدقة والموضوعية، في محاولة منه لإظهار مدى اهتمام حكومته بقطاع غزة والأعباء التي تتحملها نظير ذلك، وهو أمر لا يوحي بفهم جيد للأبعاد الاجتماعية والحقوقية للإنفاق العام.
5-    بلغ العجز في موازنة حكومة غزة لعام 2010؛ حوالي (90%)، وقد تمت تغطية العجز بالكامل من المساعدات والهبات الخارجية، حيث اعتبرت حكومة غزة أن موازنتها هي 'موازنة إغاثية' وليست تنموية.
وعلى الرغم من تفهم الظروف غير الاعتيادية التي تواجهها الحكومة من جهة الحصار الاقتصادي المفروض على القطاع والحصار المالي المفروض عليها؛ إلا أن هذا لا يبرر أن تتحول الحكومة في غزة في جزء كبير من عملها –وكما يتبين من الموازنة- إلى وسيط بين واهبين دوليين وبين سكان القطاع، فلم يظهر في موازنة الحكومة المقالة ما يؤشر إلى سياسة مالية تهدف إلى تشجيع الاستثمار الداخلي ودعم القطاعات الاقتصادية المنتجة، سواء من خلال الإنفاق العام أو الإعفاء الضريبي.
  توصيات التقرير انسجاما مع هدف هذا التقرير المتمثل في البحث في السياسات الضريبة لحكومتي غزة ورام الله وآثارها المترتبة على الأوضاع الاقتصادية في القطاع ومستوى معيشة سكانه ولاسيما موضوع الضريبة، وأهدافها والمشكلات التي تعتري موضوع جباية الضرائب بدءا من الهدف والرؤيا التي تقف وراءها مروراً بالسياسات والتشريعات التي تنظمها لتحقيق أهدافها.
وحرصا من مركز الميزان لحقوق الإنسان على إظهار المشكلة والعمل على تلمس الحلول التي من شأنها أن تحد من استمرارها وتكرسها فإنه يوصي بالآتي: 1-    ضرورة وضع تشريع ضريبي موحد في الضفة والقطاع.
2-    العمل على إعادة النظر في بروتوكول باريس الاقتصادي.
3-    الإسراع في تشريع قوانين فلسطينية خاصة بضريبة القيمة المضافة والضرائب الجمركية وضريبة الإنفاق.
4-    يجب أن تنسجم الضرائب المطبقة في مناطق السلطة مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للشعب الفلسطيني وأن تلبي متطلبات عملية التنمية.
5-    العمل على وضع نظم ضريبية سليمة تعالج قضية البضائع الواردة إلى القطاع عبر الأنفاق.
6-    ضرورة تفعيل اتفاق التجارة بين منظمة التحرير الفلسطينية وجمهورية مصر العربية لعام 1998.
7-    النظر في فرض ضرائب نوعية وتوفير الحماية الضريبية للمنتجين الفلسطينيين.
8-    دراسة تقديم إعفاءات والتسهيلات الضريبية لقطاعي الزراعة والصناعة، وهما القطاعات الاقتصاديان الأكثر تضررا من الحصار والاعتداءات الإسرائيلية.
 
[1] لقاء أجراه الباحث مع اسكندر نشوان رئيس جمعية مدققي الحسابات القانونيين الفلسطينية، بتاريخ 21/4/2011.

هذا الموضوع يتحدث عن / #economy

ملفات و روابط مرفقة :